من أدب السجون (الحلقة الثانية)

يمنات
ابو زيد الكميم
لن أخذل المعلمين أبداً
كل ما أتذكره قبل الغيبوبة: أربعة عسكر بالزي الرسمي، ودكتور السجن الذي أسعفني، وكان يخاف عليّ أكثر من خوفه على أي مسجون، ويهتم بي فوق العادة، وثلاثة أطباء من مستشفى الكويت، وثلاثة ممرضين. ثم دخلت في غيبوبة.
ولما صحيت ، رأيت مسلحين بالزي المدني غير السابقين، وسمعت فرحة وصياحًا وكلمات: «الحمد لله على السلامة»، وأنا متعجب: مالهم هؤلاء؟ واحد صحي من النوم، لماذا كل هذا؟!
وفجأة هرع الأطباء بعدد كبير، وكلٌّ يكلم الآخر، ويقرأ الملف، ويشاهد مؤشرات الأجهزة المركبة، ثم بدأ طبيب يسألني: «إيش تشعر الآن؟» ولما أردت أن أجيبه، وجدت صعوبة شديدة في الكلام، وما قدرت أحرك لساني، فطمأنني وقال: «لا تخف، ستبدأ تتكلم بعد ساعات. الحمد لله على السلامة».
ثم شعرت بنعاس غريب، ونمت لدقائق فقط، وصحيت والأطباء لا يزالون حولي، وأنا أسمعهم وهم يتجادلون، حتى قال أحدهم: «هذه حالة نادرة جدًا، ونسبة الوفاة سريريًا 90%، بل ما كنت أتوقع بهذه السرعة أن يفيق من الغيبوبة».
وقال آخر: «نستدعي أطباء متخصصين من مستشفيات أخرى لدراسة هذه الحالة، ويعطونا علاجات تمنع الانتكاسة أو الغيبوبة من جديد».
وأكثر ما أوجعني طبيب قال: «سبحان الله، قد كنت جهزت ورقة وفاته سريريًا، وكنت سأطلب أن يستدعوا أقاربه ليوقعوا عليها!!!!»
أين الجريمة ؟
أغمضت عيني حزينًا جدًا، وتسألت: ماذا فعلت؟ طالبت بالرواتب، وقدت إضراب المعلمين للمطالبة بالرواتب المقطوعة منذ سنوات؟ أين الجريمة في ذلك؟!!
القضاة وعمال النظافة وغيرهم أضربوا للمطالبة بالرواتب، فلم يُسجن أحد، ولم يداوموا إلا بعد أن التزمت الحكومة برواتبهم!!!
ثم طوال عملي في التربية والتعليم كنت رأس الحربة في المطالبة بالحقوق والعلاوات والإضرابات، وما حُبست، ولا تعامل معي الأمن كمجرم، لا في أيام الرئيس علي صالح، ولا أيام الرئيس منصور هادي، ولا أيام الرئيس الصماد. بل وآخر إضراب كان أيام الرئيس الصماد، واستمر أكثر من شهر.
وكل ما عمله مكتب الرئاسة أنه اتصل بي أنا وقادة التربية لنلتقي بنائب الرئيس لبوزة في القصر الجمهوري، والتقينا به وشرحنا له الوضع، واقتنع بكلامنا ورفع للرئيس بذلك.
ثم تم طلبنا للقاء برئيس مجلس النواب، والتقينا به في مجلس النواب، وقدمنا له مطالبنا وشرحنا له خطورة قطع الراتب على الموظفين بشكل عام، وعلى التربويين بشكل خاص.
ثم التقينا برئيس الوزراء، الذي ضحك على الجميع، وصفقوا له وصدقوه، وكنت المعارض الوحيد الذي حذر من الموافقة على طرحه ورفع الإضراب حينها!!!
فلماذا هذه المرة يصل الأمر إلى السجن ودخول المستشفى حتى الموت؟!!!
غمضت عيني مرة أخرى حزينًا ومعتقدًا أنني دخلت غيبوبة جديدة.
لكن بعد ساعات فتحت عيوني، وكان الوقت بالليل، وتأملت الموجودين وهم لا يعلمون بصحياني، ثم أغمضت عيني للنوم من جديد، وسردت شريط الحياة بسرعة، ثم دعوت الله أن يقبضني إليه وهو راضٍ عني، وكررت هذا الدعاء مرات، ثم شرعت في الاستغفار والتسبيح والتكبير والتحميد، وغلبني النوم.
ورقة التعهد
وصحيت اليوم الثاني الساعة التاسعة صباحًا، فعرفت أن الله غير راضٍ عني، وحزنت لذلك.
وبعد دقائق جاء ضابط، أول مرة أشاهده، وسلّم عليّ وقال: «الحمد لله على السلامة»، ثم تأسف للحال الذي وصلت إليه، واعتذر عن سجني، وقال:
«أنا من الحدا وأعرف من أنت، ولك منزلة كبيرة في الحدا كامل، والآن أصبحت معروفًا على مستوى اليمن ، ومواقع التواصل ما عاد معها غيرك هذه الأيام. وأنا غير راضٍ عن سجنك ولا عن دخولك المستشفى، والآن تخرج من المستشفى لمنزلك مباشرة».
فقلت: «بارك الله فيك».
فقال: «فقط اعمل تعهد بحل نادي المعلمين وعدم المطالبة بالرواتب أو الدعوة للإضراب».
فقلت: «لن أخذل 160 ألف معلم، وثقوا فيني واختاروني رئيسًا لهم».
فقال: «يا شيخ، قد خذلوك وداوموا كلهم بمجرد دخولك الحبس».
فضحكت وقلت: «الإضراب كان 90% في الريف و80% في المدن، والمفروض بعد سجني يزيد!!!»
فرد ضاحكًا: «بالعكس، بعد علمهم بسجنك انتهى الإضراب خلال أسبوع واحد، والكل مداوم الآن. فلا تضحِّ بحياتك من أجل معلمين مداومين، نسيوك في أسبوع!!!»
فما صدقته، وقلت في نفسي: العكس هو الحاصل، والإضراب أكيد أصبح 100% بعد سجني.
وحاول معي بكل الطرق، لكن رفضت رفضًا قاطعًا.
ثم قال لي: «يا شيخ، حالتك خطيرة جدًا، فمن أجل أولادك وأسرتك، هم بحاجتك. اعمل الورقة لتعود لهم».
فقلت: «من خلقهم سيتكفل بهم».
ولما يئس مني قال: «من تريد من أسرتك يزورك الآن؟»
فقلت: «أخي الشيخ قيس».
فقال: «فقط؟»
قلت: «نعم».
لم أكن أريد أولادي يشاهدونني بهذا الضعف والهزال، وخفت أن تأخذني العاطفة نحوهم وأنهار وأعمل الورقة.
اللقاء بشقيقي
وفي حدود الساعة 11 ظهرًا جاء الشيخ قيس، وكان أسعد يوم بحياتي منذ سجنت.
وبعد سلام واطمئنان قال: «لك شعبية طاغية، ورغم قلقنا عليك وخوفنا على صحتك، قد أنت حديث العالم حتى بمرضك».
فتبسمت وقلت: «الحمد لله».
فقال: «إيش في نفسك الآن؟»
فقلت: «قات درجة أولى».
فضحك هو والعسكر والممرضون، وقال: «أنت بدون أكل، الله أعلم كم قد لك، وتدور القات؟»
فقلت: «الأكل عيجيبه المستشفى، لكن ما عيجيب القات».
فضحكوا مرة ثانية، وقال ممرض: «أنت ممنوع تبعد المغذية 24 ساعة، فكيف عتخزن؟»
فقلت: «مِمدا، وبالمغذية، ويمكن تتحسن حالتي بعد القات».
فضحكوا من تمسكي بالقات، ثم قال أخي مخاطبًا العسكري: «كم أنتم في حراسة أخي؟»
فقال: «ستة».
وسأل الممرض: «وأنتم كم؟»
فقال: «ثلاثة».
فقال الشيخ قيس: «كلكم مع شيخنا أبو زيد عشرة. خلاص، قاتكم وغداءكم عيوصلكم. لا تتغدوا ولا تشتروا قات».
فقلت له: «لا تنسى البيبسي الدايت».
فقال: «قد هي ممنوعة».
فقلت: «دبّرها، لا يمكن قات بدونها».
فضحك وخرج، وقال: «ساعة وكل شيء عندكم».
ومرت ساعة، ثم ساعتان ولا خبر!!!
فجاء عسكري بطعام من المستشفى وقال لي: «كل، أخوك شكله منعوه من العودة إليك».
فقلت: «يحرم عليّ أكل غير أكله، ما دام سمحتوا له يغدينا ثم منعتوه».
ورفضت الأكل، وأغمضت عيني حزينًا، كسيرًا، غاضبًا، فقد كسروا الفرحة والأمل، وكسروا شوقي للقات، وما أدراك ما القات!!!!
وفجأة جاء اتصال لعسكري مرافق: «لا تتغدوا، الغداء في الطريق».
وجاء الشيخ قيس بالغداء، وكان اثنين روس غنم مع توابعهن، وقات طرابيل من شارع الزراعة.
فقلت له: «ليش هذا كله؟»
فقال: «هذه ضيافتك، ضيف من تحب».
فطلبت من العسكري المرافق يشوف أطباء وممرضين، فالغداء والقات كثير جدًا.
وسألت أخي: «ليش تأخرت؟»
فقال: «جاهز من أكثر من ساعة، وقد كانوا منعوني بسبب رفضك تعمل ورقة التعهد التي طلبوها منك، وتواصلت معهم وقلت: أنا سأقنعه يعملها، فهل ستعملها؟!!!»
للحديث بقية…